قوة الصحافة في جوهرها

727
تونس: مهيب زوى

21 سبتمبر 2013 كانت السيدة فاليري آموس منسقة الإغاثة في الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر فيما يخص الازمة الإنسانية لليمن وكانت تستعرض في مقر المنظمة الدولية بنيويورك نتائج زيارتها لليمن الذي مثَّل بالنسبة لها أزمة طارئة وملحة ويقف على شفير الهاوية لوقوع أزمة غذاء كارثية، قالت: “ادعموا اليمن عاجلًا”.

منتصف الشهر نفسه، كنت على الكرسي الأمامي في قاعة فندق شرق العاصمة صنعاء التقط كلمات السيدة السمراء في مؤتمرها الصحفي: ” لا يمكن ضمان استقرار المرحلة الانتقالية والعملية السياسية في اليمن مالم يتم معالجة الاحتياجات الإنسانية” قالت.

لم تجدِ دقات آموس تلك نفعًا، فبعد عام وفي نفس اليوم تحديدًا : 21 سبتمبر 2014 كانت اليمن قد هوت فعلًا، سيطرت مليشيا الحوثي على العاصمة صنعاء وتمكنت من إدارات الدولة حاصرت الرئيس والحكومة وانقلبت على السلطة، وفي 25 مارس كانت اليمن ساحة معركة إقليمية بين مليشيا مدعومة ايرانيا وتحالف عربي تقوده السعودية، خمس سنوات مضت فاقمت الحرب خلالها الأزمة الإنسانية بشكل طاغٍ، ولم تتغير الأرقام للوضع الإنساني في 2013 عنها في 2018: 10 مليون يمني يعانون الجوع وازمة توفير الغذاء والماء الصالح للشرب، 3 مليون يعانون سوء تغذية اغلبهم أطفال، الامراض والاوبئة، وانهيار المنظومة التعليمية، أضف إليها ضحايا القصف والاعتقال والإخفاء، ناهيك عن الرعب الذي يسبقهم إلى منازلهم و يقاسمهم الفراش أيضًا  .

مالذي يحدث في اليمن السعيد يمن الحضارة، لم نعد نفهم شيئًا؟

يسألني أصدقائي في تونس كلما وجدوني، وصاحب التاكسي يكرر ذات السؤال عندما يعرف إنني يمني.

إنهم محقون، فهذا ما يعرفونه عن اليمن من الإعلام والصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي: حرب لا تنتهي.

فخلال خمس سنوات سيطرت الحرب في اليمن على مجمل الفضاء العام وتلاشى معها الجوهر الحقيقي للصحافة: الناس والمجتمع، واتجهت قيمها لصالح الحرب والاقتتال والدعاية والمناكفات السياسية والتعتيم والتظليل وغدا الإنسان مجرد رقم أو ضحية، واقتصر معها دور الصحافة الإنسانية على إبراز الصورة القاتمة في حياة الناس فقط – وهو أمر جيد الاشتغال عليه صحفيًا- ولكن ذلك لم يعُد كافيًا، فالصحافة الإنسانية هي الصحافة ذات البعد الاجتماعي، صحافة متأنية تركز على عمق الإنسان وتجعله مركز الإهتمام في القصة وليس شيئًا آخر، فكل ما يتعلق بالإنسان هو إنساني بالطبيعة ويستحق الاهتمام والصدارة في عناويننا: حياته، نجاحاته، موسيقاه، تاريخه، بيئته، قضاياه، أزماته، اهتماماته، تراثه الإنساني، همومه، تطلعاته وطموحاته، …إلخ، باعتباره العُمق الحقيقي؛ خصوصًا أن يد الحرب طالت كل ذلك أيضًا، وقضت على الأمل.

إن إعادة الأمل للناس هي مهمة الصحافة، ليست فقط أخبار الحرب هي ما يريد أن يعرفه الناس والعالم، يريدون أن يعرفوننا عن قرب وبشكل جيد أيضًا، فهناك عشرات القصص تضيع كل يوم في الزحام الإخباري الملطخ بالسياسة ولا تجد طريقها للإهتمام والنشر.

تفقد الأشياء قيمتها بابتعادها عن الجوهر، وقوة الصحافة هي ماينتظره منا الناس، بالعودة إلى جوهرها: الناس والمجتمع، صحافة تعمل على تعزيز اليقين بشأن المستقبل ومرحلة ما بعد الحرب، صحافة تقترب من الناس وتلامسهم، فالأشياء القريبة مِنَّا تعنينا أكثر.. هذا ما نحاول أن نقدمه في ANSOM أنسم: البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية.