يدفعون صحتهم ثمنًا للطعام

714
صنعاء: نجيب العدوفي

عندما ذهب محمد حسين بوالدته إلى الطبيب للإطمئنان على صحتها، لم يتوقع الصدمة: “والدتك مصابة بالانسداد الرئوي الحاد”.. قال الطبيب، مشيرًا إلى أن ذلك بسبب التدخين المفرط.

“ولكن أمي لا تُدخن ولا أحد في أسرتنا يتعاطى السجائر “، يرد محمد مستغربًا.

لم يكن يتصور محمد أن فرن الحطب الذي جلبه لأمه بسبب ارتفاع أسعار الغاز المنزلي وانقطاعه من الأسواق أغلب الوقت، سيكون سببًا في تدهور صحتها، “لقد جلبت الداء لأمي بيديَّ” قال محمد بألم.

أكد طبيب الأمراض التنفسية لمحمد – بعد إن عرف السبب- أن الأدخنة الناتجة عن إحراق الحطب خطيرة جدًا، وأنها تصيب الرئة والجهاز التنفسي بالعديد من الأمراض من بينها الانسداد الرئوي الحاد، فضلاً عن أنها تؤثر على خلايا المخ، وأن لها ارتباطات بأمراض العين، ويصل تأثيرها أيضاً إلى الإصابة بمرض السكر.

يقول محمد لـ أنسم : ” منذ أربع سنوات بسبب أزمات الغاز المنزلي المتكررة لجأتُ لشراء فرن يعمل بالحطب، وكانت أمي تصر على شرائه لإنقاذ أسرتنا من الموت جوعًا ولكنها دفعت صحتها ثمنًا لتأمين لقمة العيش لنا”.

 

الاحتطاب

أزمة الغاز المنزلي المتكررة التي تعيشها العاصمة صنعاء والعديد من المحافظات اليمنية بسبب الحرب المستمرة منذ خمس سنوات، دفعت الكثير من الأسر إلى اللجوء للاحتطاب والأفران التقليدية لصناعة الطعام، وتعاظمت الحاجة إلى ذلك بفعل انقطاع مرتبات موظفي القطاع العام وتسريح العديد من العاملين في القطاع الخاص، الأمر الذي تسبب في زيادة أعداد العاطلين واتساع رقعة الفقر التي باتت تصل إلى 85% من إجمالي عدد السكان في اليمن – وفقاً لإحصائيات حديثة-، وبات الواقع الذي فرضته الحرب يجبر اليمنيين على البحث عن طرق عيش متعددة وإن كانت تجلب لهم الموت البطيء.

يقول المواطن مسعد السلامي والتي تعاني زوجته من التهابات حادة في الجهاز التنفسي، لـ أنسم: ” منع الطبيب زوجتي من استخدام الحطب في الطهي، إلا أن ذلك أصبح مستحيلاً، فأنا بدون عمل ولا أقدر على شراء إسطوانة الغاز”.

وأضاف: ” أنا أحصل على الحطب مجانًا، فأخي الذي يسكن في ريف البيضاء(260 كم جنوب شرق صنعاء) يعمل على نقل المسافرين من هناك  إلى هنا بسيارته، ويجلب لي معه حزمة كبيرة من الحطب”.

 

أسهمت أزمة الغاز المنزلي وارتفاع أسعاره  التي وصلت الى 10 الاف ريال يمني( تعادل 20 دولارًا) لاسطوانة الغاز الواحدة وأحيانا يتعدى السعر ذلك الرقم، في انتعاش الكثير من المهن القديمة التي كانت قد انقرضت كصناعة الأفران التقليدية وقطع وبيع الحطب، فهذا عبدالله البهلولي -حرفي- عاود حرفته القديمة في صناعة الأفران الطينية التي تعمل بالحطب، إلى جانب صناعته مواقد أخرى تعمل بنشارة الخشب.

يقول البهلولي لـ أنسم: ” أصبحت هذه المصنوعات تلقى رواجاً كبيراً ويتهافت الناس على شرائها من أجل إعداد الطعام وتأمين البقاء على قيد الحياة”.

أما المواطن صالح الريمي وهو تاجر حطب في سوق الخفجي بصنعاء، فيؤكد إنه أصبح تاجرًا كبيراً في مجال بيع الحطب، وإنه استطاع خلال ثلاث سنوات أن يشتري ثلاث سيارات نقل لجلب الحطب من محافظة ريمة ( 200 كم غرب صنعاء) لبيعها في العاصمة صنعاء.

ولا يدري التاجر القادم من محافظة ريمة المعروفة بكثافة أشجارها وغاباتها أنه يساهم في تلوث البيئة ونشر الأمراض، فضلاً عن المساهمة في التصحر الناتج عن الاحتطاب الجائر، لكنه يتمنى أن تستمر أزمة الغاز المنزلي ليستمر في عمله.

يقول الريمي: ” أغلب زبائني (عملائي) هم مُلاك الأفران والمخابز في العاصمة صنعاء، والذين باتوا يعتمدون على الحطب في عملهم بدلًا من الجاز”.

وهو ما يؤكده نُعمَان الشرعبي-مالك مخبز بصنعاء- الذي بات يعتمد في عمله على الحطب منذ أكثر من عامين بسبب الانقطاع المتكرر للغاز المنزلي وارتفاع أسعار براميل الجاز، مشيرًا لـ أنسم، أنه سيستمر في الاعتماد على الحطب لصناعة أقراص الخبز والروتي.. ” إن ذلك مُربح جدًا”، قال الشرعبي.

اوكسجين قليل

تُعاني العاصمة صنعاء من قلة الأوكسجين بسبب ارتفاعها عن مستوى سطح البحر بأكثر من 2300 متر، وتحتاج إلى المزيد من المتنفسات والحدائق والأشجار، وفضلًا عن غياب التشجير واقتطاع العديد من الأشجار المعمرة والغابات، وجدت صنعاء نفسها أمام تهديدات أخرى تتمثل في زيادة ثاني أوكسيد الكربون الناتج عن إحراق الأخشاب التي تستخدمها مختلف الأفران والمخابز والمنازل بصنعاء.

تترافق تلك التهديدات لصنعاء مع ما تُعانيه من تلوث بيئي بفعل عوادم السيارات والأنشطة الصناعية المختلفة والتي تتواجد داخل المدينة وعمليات حرق المخلفات التي تتم على مداخلها وداخل الأحياء السكنية أيضًا، إذ تتكدس المخلفات بصورة مستمرة بسبب عدم رفعها بفعل الحرب وتردي الأوضاع الاقتصادية ويضطر الأهالي إلى إحراقها خشية إنتشار الأوبئة، لكنهم يدفعون الثمن من صحتهم.

في صنعاء 722 مخبزًا، تحرق نحو 17 ألفاً وخمس مئة طنٍّ من الحطب سنوياً ما يتسبب في قطع أكثر من 860 ألف شجرة و يقضي على مساحة قدرها 780 هكتاراً

تحذيرات

تحذر الهيئة العامة لحماية البيئة في اليمن من المخاطر البيئية المترتبة على الاحتطاب الجائر للأشجار الذي ازدادت حدته خلال السنوات الأربع الأخيرة بفعل استمرار أزمة الوقود والغاز المنزلي، وأن ذلك يؤثر بشكل مباشر على البيئة والمناخ بسبب فقدان الغطاء النباتي.

وأكد لـ أنسم مصدر في الهيئة العامة لحماية البيئة -فضَّل عدم ذكر اسمه-: إن تحول عمل الأفران والمخابز بالعاصمة صنعاء والبالغ عددها 722 فرناً يتسبب في قطع ما يزيد عن 860 ألف شجرة في العام الواحد لسد حاجة أفران العاصمة صنعاء -فقط- من الحطب، والتي تحرق نحو 17 ألفاً وخمس مئة طنٍّ من الحطب سنوياً، أي أن هذا الاحتطاب الجائر يقضي على مساحة قدرها 780 هكتاراً من الأراضي المزروعة بهذه الأشجار- حد قوله-.

وأضاف: أن أبرز الآثار السلبية للاحتطاب الجائر هي تقليص الرقعة الخضراء وزيادة التصحر وتعريض الحياة البرية للخطر بسبب هجرة بعض الطيور والحيوانات نتيجة فقدانها المأوى الطبيعي وهذا يؤدي للإخلال بتوازن النظام البيئي.

إحصائيات

لا توجد إحصائيات رسمية عن عدد المصابين بأمراض الجهاز التنفسي المختلفة، إذ يقول أحد المسؤولين في مركز الدرن بصنعاء لـ أنسم: “ليس لدينا إحصائيات عن عدد المصابين بأمراض الدرن كالسل وغيره، لأن أغلب المرضى لا يأتون إلى المركز وإنما يتوزعون بين المستشفيات الحكومية والخاصة، والبعض يرتادون العيادات الخاصة لأطباء الجهاز التنفسي”.