هواية قد تنقذك يومًا

1٬021
القاهرة: فاطمة مطهر

“مشاعر عديدة أحسستها و أنا أشاهد ذلك الرقم، ذكريات و أيام و مواقف كثيرة مرت بخاطري وأنا أكمل عدَّها، لقد تفاجأت جدًا”..

تصف رندا عبدالإله الحاج مشاعرها بعد شهرين من الفترة الممنوحة لها من مبادرة “كلنا نستحق” لتقييم مشروعها المنزلي الذي تأهل للحصول على دعم تنافسي قدمته المبادرة لدعم مشاريع فردية لليمنيين في مصر.

بالنسبة إلى قادمةٍ جديدة من بلد تسوده الحرب لتبدأ حياتها في بلدٍ آخر من الصفر فإن إنجاز عشر تورتات وبيعها لتكسب التحدي قد يبدو صعبًا، ولكن ذلك لم يكن عائقًا أمام أم لجين التي وضعت لنفسها برنامجًا عمليًا للمغامرة.. “لقد فاق الرقم كل توقعاتي”، قالت رندا مبتسمة.

11 نوفمبر 2017: تتذكر صاحبة مشروع لجين كيك هذا التاريخ جيدًا وتلك اللحظة الفارقة بالنسبة لها، وقالت لـ أنسم:” 60 تورتة، لقد كان رقمًا كبيرًا بالنسبة لي وأنا القادمة حديثًا إلى بلدٍ جديد، بدأت فيه من الصفر في كل شيء: بيت جديد، مجتمع جديد وعلاقات جديدة”.

ربحت رندا التحدي ودعمتها المبادرة بـ “ثلاجة” تساعدها على حفظ موادها التي تستخدمها لصناعة الكيك.

رندا أثناء عرض منتجاتها في مهرجان للجالية اليمنية بالقاهرة

البداية

في سن مبكرة تعتاد الفتيات اليمنيات على الاعمال المنزلية كواجب إلزامي، فعندما وصلت رندا المرحلة الاعدادية من دراستها كانت وأختها تتوليان طبخ مأدبة كاملة، لكن صنع الكيك بقي هاجسًا، ” إن صنع تورتة لذيذة بشكل جميل كان طموحي الذي أحبه”، تتذكر ذلك مبتسمة.

ظلت رندا تمارس هوايتها في صنع الكيك والحلويات في المنزل، إلا أنها اتجهت في 2014 للتعلُّم بغرض الاحتراف، فاشتركت في جروبات (واتس أب) لتعلُم صنع الكيك وطرق الحشو والتزيين، ومع بدء الحرب وتعطل الأعمال اتجهتْ إلى حلمها بشكل أكبر:” لقد أردتُ الإنشغال بشيء يخفف عني التفكير في الحرب ومآسيها والتخلص من فكرة الموت التي تتهددني وأسرتي كل يوم” قالت رندا.

بدأت تصلها طلبات من صديقات وجيران لعمل كيك أعياد الميلاد والمناسبات، ولكن انقطاع الكهرباء المستمر تسبب  بتوقف عملها خلال العامين 2015 و 2016، لكنها لم تتوقف عن البحث في الانترنت عن الجديد في عالم الحلويات، تقول رندا: ” ظللت أنمي ثقافتي الحلوانية”.

نهاية العام 2016، تمكنت من شراء مولد كهربائي للمنزل وقررت العودة إلى زبائنها، “فأنشأتُ حسابًا شخصيًا على الفيس بوك لأعرض فيه صورًا من منتجاتي وحقق ذلك نجاحًا كبيرًا” قالت.

إلى القاهرة

لم تدم عودة رندا طويلًا، مطلع العام 2017 غادر زوجها إلى القاهرة بعد حصوله على فرصة عمل هناك، وفي يوليو من نفس العام التحقت به رندا صحبة لجين “10 سنوات”- والتي أسمت مشروعها تيمنًا بها- وعبدالرحمن”6 سنوات ونصف”، وكانت قلقة بشأن تكيفها في البلاد الجديدة وكيف سيكون وضع طفليها هناك، لكنها كانت تعتزم شيئًا، وهي تحزم حقائب السفر.

وصلت أم لجين القاهرة، وفي حقيبتها الثقيلة كمية كبيرة من أدواتها الخاصة لممارسة هوايتها في صنع الكيك، لقد قررت أن تخوض التجربة هناك.

عمليًا، فإن ترتيب الأولويات وتحديد الأهداف هو أساس الأعمال الناجحة، لهذا كان على رندا أن تعرف البلد الجديد جيدًا فهي لم تكن تعرف القاهرة من قبل إلا عبر المسلسلات والأفلام – حد قولها-، أخذت رندا خارطة القاهرة ومحطات المترو وبحثت من خلال الإنترنت عن أماكن بيع أدوات الكيك و مواده، “جربتُ الكثير وخسرتُ الكثير حتى استطعتُ أن أعرف الجيد من الردئ، وكيف أشتري شيئًا جيدًا بسعر مناسب، وكان علي أيضًا أن أعرف إلى أين أتجه”، قالت أم لجين.

بدأت رندا بالبحث عن تجمع اليمنيات واللقاء بهن لتكوين قاعدة من العميلات، وهو التحدي الأول بالنسبة لها في بلد جديد، وتقول: “من أول وصولي كان هدفي تحقيق الأمان الاقتصادي”.

لهذا اعتمدت لتسويق منتجاتها على الزبونة اليمنية بشكل كامل، تقول: “نحن قادمون من مجتمع محافظ فأن تتصل بسيدة ذلك أمر سهل ومشجع، إضافة إلى سهولة التسويق والحجز عبر الهاتف أو جروبات الواتس”.

رندا: بدأتُ مشروعي بخلاط يدوي قديم وأشياء بسيطة جداً أحضرتها معي من اليمن، لقد أصبحتُ فخورة جدًا بما أنجزه

مشاركات وترويج

من بين عشرات اليمنيات في القاهرة اللواتي يعملن في طبخ المأكولات والمخبوزات اليمنية كمهنة مدرة للدخل، اختارت قلة منهن عمل الحلويات لما يتطلبه صنعها من  المقادير الدقيقة والعمل الصغير والتفصيلي، ناهيك عن أن الطلب عليه لا يكون يوميًا كما في المأكولات واحتلت رندا الصدارة في هذا المجال.

تقول أم ليان، مقيمة يمنية في القاهرة:” رندا مثال للاجتهاد والمثابرة وكل فترة تدهشنا بمستوى تفننها وإتقانها لعملها، وتتميز بتعاملها المهذب مع الجميع”.

ظلت رندا تعتمد على زبائنها اليمنيين وتسويق منتجاتها بالواتس، إلا أن بازار مبادرة “كلنا نستحق” – الذي سمعت عنه بالصدفة-  كان فرصتها للتعريف بنفسها ومنتجاتها، لتنطلق بعدها بالمشاركة في الفعاليات التي تقيمها منظمات تعمل مع المهاجرين واللاجئين في مصر، ومن مشاركة لأخرى كانت تزداد ثقة بنفسها وتتوسع في خبراتها وتنوع من منتجاتها، ما أكسبها زبائن أكثر: المصري والأمريكي والفرنسي، وحتى منظمات ومؤسسات.

أصبحت السيدة المحافظة والخجولة منطلقة في مقابلاتها الإعلامية الصحفية والتلفزيونية إذ قام صحفيان فرنسيان مع موقع مصري بعمل فلم عنها، كما قامت صحفية مصرية في أكتوبر 2018 بعمل فيلمًا وثائقيًا لتجربتها، وفي 8 مارس الماضي كرمها المعهد الأوروبي بالقاهرة مع ثلاث سيدات أخريات (مصريتان وسورية) وعرض تجاربهن.

“لقد أصبحتُ فخورة جدًا بما أنجزه” قالت باعتزاز.

المختبر والتجربة

ظلت رندا 13 عامًا ترتدي البالطو الأبيض وتقعد على كرسي متحرك، أمامها ميكروسكوب تعمل عليه في غرف أحد مستشفيات الحديدة (غرب اليمن ) كطبيبة مختبرات، وهو عمل يتطلب الكثير من الصبر والتأني والدقة الاهتمام بالتفاصيل و التعامل  الإنساني مع المرضى وتفهم مشاعرهم، استياءهم وغضبهم، لم يتغير كل ذلك معها، إذ مازالت ترتدي نفس البالطو الأبيض وتقف أمام مختبرها الخاص (لجين كيك) وبنفس الانضباط والصبر والدقة، وتتعامل مع زبائنها بذات التفهم، الأمر الذي اكسبها ثقة وسمعة جيدة لدى عملائها.

تقول رندا:” انا لست بإمرأة خارقة كما قد أبدو، فقط تجاربي السابقة وتربيتي وأسرتي وعملي جعلت لدى تراكما في تحمل المسؤولية وهذا ما ساعدني لاحقًا في مشروع: لجين كيك”.

وأضافت: “بدأت مشروعي بخلاط يدوي قديم احضرته من اليمن، وأشياء بسيطة جدًا، لم أكن أملك طاولة وكرسي ليخففا عني آلام الظهر، سهرت الليالي لأوفق بين عملي ومتطلبات عائلتي”.

وتابعت: “مررت بأوقات عصيبة بكيت خلالها وأحبطت ويئست وكنت أرغب في العودة لليمن، ولكن زوجي كان دومًا بجانبي، لقد سهل لي اشياء كثيرة”.

تلخص أم لجين تجربتها لكل من لديه مشروع: “كلنا نشبه بعض ولا أحد خارق، هي فقط خبرة الحياة التي تتراكم لديك، فسعيك واجتهادك وإصرارك هو ما تحتاج لتحقيق النجاح”.

لا تتوقف رندا عن تطوير نفسها واكتشاف الجديد، فهي لا تفوت فرصةً للتعلم والمشاركة في أية دورات مجانية أو منخفضة التكاليف؛ “إن أي مهارة تجد وقتًا لتعلمها قد تنقذك يومًا ما”، قالت رندا.