مقتل معلم.. صورة من وحشية يمنية

63

تختبئ بعض الجرائم في اليمن وراء الأعراف، وهي الجريمة التي تتشكل حولها أشكال من الحماية والتضامن العصبوي خارج القانون، أو أنها حالة استقواء وتنمر تركن إلى قوة القبيلة ونفوذها.

ذلك ما حدث في قضية مقتل المدرس فيصل سعيد الريمي. كان مزيجاً من الاستضعاف والتنمر، ضد مواطن ينتمي إلى فئة اجتماعية لا تتمتع بأي شكل من أشكال الحماية العصبوية، ولا وجود لقانون يستند إليه هو وعائلته الضائعة بعده؛ تلك صورة لمأساة يمني في لحظة لم يكن حتى مواطناً، أو أنه ربما تلك الظروف القهرية وضعته كمواطن من الدرجة السادسة، فدفع حياته ثمناً لعدم التكافؤ.


هناك شكلاً من التمايز تضمنه روح القبيلة وأشكال نافذة، ظلت عائقاً أمام تشكل حالة وطنية

فالمحرك الرئيسي للجريمة هو عدم وجود الرادع، والركون إلى القوة التي تشكل ضمانة أو حماية لفعل ما مخالف أو مجرم. وهذا الاختلال في الحياة اليمنية أنتج نوعاً من التمايز بين مجتمع محلي وآخر، فالتضامنات أنتجت أيضاً شعوراً بالظلم لدى شريحة من اليمنيين، يمثلهم معلم المدرسة. والسلطة السياسية في اليمن فرضت سيطرتها تحت مضمون العصبية، وإن أخذت على عاتقها بعض المسميات الحديثة، فإنها مؤسسات يمكن تغييبها في حضور الأعراف.
لست مغالياً، إذ إن هناك شكلاً من التمايز تضمنه روح القبيلة، هناك أشكال نافذة، ظلت عائقاً أمام تشكل حالة وطنية، وطغت الانقسامات على الوضع الراهن، وبدلاً من أن تكون التفاهمات محوراً لأية شراكة سياسية، يصبح التصدع إعلاناً لحرب أو سكوناً مضمراً لها. لا تتوقف حتى يكون هناك إنجاز عسكري أو سيطرة طرف. وعليه نتجت شروخ وانقسامات داخل المجتمع، بسبب هذا التمايز الذي يعلن عن نفسه بصراحة، رغم أن الدستور يتحدث عن المساواة أمام القضاء. بينما على أرض الواقع، لا شيء من ذلك يحدث.


طغت الانقسامات على الوضع الراهن، وبدلاً من أن تكون التفاهمات محوراً لأية شراكة سياسية، يصبح التصدع إعلاناً لحرب

ما علاقة مقتل المعلم فيصل الريمي، بالحديث عن هذا؟ إنه تفصيل مأساوي عما نعيشه، وما تسير عليه كل أشكال السياسة. فمن خلال الأعراف تتشكل غابة يفرض فيها الأقوى قانوناً، ويصبح الانتساب القبلي امتيازاً ضمن قوة القبيلة. وفي هذه الحالة يمكن استضعاف “فيصل الريمي” لأنه لا يعتمد على حماية عصبوية تكفلها القبيلة، ولا أي شكل نافذ سياسي أو مالي داخل المجتمع.

لهذا حين دخل الجاني إلى إدارة المدرسة، متزعماً عُصبة مسلحين، كانوا جميعاً ينساقون لنشوة هذا الاستعراض الناشئ عن ثقافة وقيم اجتماعية تبجل هذه المظاهر، قوة السلاح والروح التي تعزز طبيعة الاستقواء، ففي الواقع لا شيء تغير، عدا في أجزاء طفيفة، إذ إن الذين كانوا يتغطرسون بمظهرهم القبلي، وما يمكن أن يصبح عليه من أشكال نافذة في العهد السابق، أصبحوا اليوم يتباهون به تحت راية جديدة.
عدا أن ثقافة الاستقواء تعزز حضورها بصورة خطيرة في المجتمع، فالاستقواء بطبيعته ملمح بطولي بالنسبة لقيم محلية مهووسة بمظاهر السلاح. هكذا وجد المعتدي أمامه شخصاً ضعيفاً فقيراً مثل معظم طبقته المهنية من المدرسين، وأيضاً لا وجود لأي شكل من التضامن القبلي أو الحماية المجتمعية، مثل كثير من الشريحة المجتمعية، وهذا يضعنا أمام خلل المواطنة، وازدواجيتها في علاقتها مع شكل السلطة.
والنتيجة كانت موت المدرس، ليس فقط بسبب الضرب العنيف، لكنه الكمد، لقد خسر آخر شيء من كيانه، هذه المسافة من الاحترام التي كانت بينه وبين طلابه. هذا المجتمع الصغير الذي يتوجب عليه أن يبجله، وينظر إليه بتلك الصورة التي نظر من خلالها نحو معلميه حين كان طفلاً. ما الذي أبقوه له؟ مات كمداً لأن علاقته بالمجتمع سُلبت كلياً. فالجريمة تتصرف وفق المبدأ العُرفي، وولي أمر الطالب شرع لنفسه امتلاك قانونه الخاص، من مبدأ القوة.

⇐ أحذية ملوك اليمن القديم وحكاية الصانع الأخير |   اقرأ “أيضًا في أنسم                    
هكذا تعرضت واحدة من أعظم المهن الإنسانية، للتنكيل، وفي الصورة يسقط المدرس تماماً صريعاً. كان الجاني يتباهى بانتسابه القبلي، ويمارس شكلاً من الامتهان لوظيفة المدرس أولاً. وهذه الخطورة التي تجعل من العلم بلا قيمة في عيون المجتمع، وعيون الأطفال. وما جرى ليس انتهاك حياة مواطن، بل شكل من تهاوي التعليم في اليمن، وامتهان القائمين عليه.

لكن الامتهان هو ما تقوم به أيضاً مدارس أشبه باستثمارات ربحية بلا معايير، وتتعامل مع المدرسين مثل السُّخرة. فهم يعملون فقط أوقات التدريس، بينما يبقى في موسم الإجازة خارج العمل، دون دخل. ولا يتوقف عمله على هذا، فالعملية التعليمية شُلت مع الحرب وتوقف المرتبات في المدارس الحكومية. وفي كثير من المدارس الخاصة تتدخل الإدارة ضد المدرس، فهو بالنسبة لها الجانب الأرخص، والطالب بمثابة زبون. كما أنها تتحكم بتوزيع الدرجات، على حساب شخصية المدرس بين طلابه، فهي من ناحية تظلم المجتهدين لمصلحة أهواء الإدارة، وأحياناً لا يتحكم المدرس حين تخضع بعض الدرجات للخصم بسبب سلوك الطلاب، وهو إحدى وسائل العقاب، وبهذا الشكل تسقط شخصية المدرس.


تعززت ثقافة الاستقواء في المجتمع باعتباره ملمح بطولي لقيم محلية مهووسة بالسلاح

وقبل سنوات، حين حدثت مشكلة في إحدى مدارس صنعاء، عندما تهجم طالب على مدرّسة، وتدخل شقيقها الذي يعمل في نفس المدرسة، لمنع ذلك، حاول الاعتداء عليه. وقتها، تدخل أولياء أمور مع ولي أمر الطالب المعتدي، وكان هناك نوع من التعنت ضده، كما أن المدرسة كانت متراخية، فالمدرس هو الطرف الأضعف. كما أن تدخل أولياء أمور مجموعة من الطلاب، كان يوحي بأداة ضغط عصبوية ضد المدرس حتى يتنازل عن القضية، وتتم تبرئة الطالب ذي السلوك المختل. وهكذا تجري أشكال الحياة، بحيث تكون العصبية ميزان ترجيح داخل المجتمع، حتى وإن كانت لصالح المخطئ، على حساب الضحية.
فقضية الاعتداء على فيصل الريمي، وموته في ظروف مأساوية، تجعلنا أمام منظومة وثقافة مختلة أنتجت تحيزاتها أشكالاً من الأخطاء، وأصبحت الجريمة تمتلك الكثير من الذرائع وفق ما تمليه الأعراف. لكنها أيضاً قضية اعتداء على الإنسان، وامتهان لأكثر المفاصل أهمية في تقدم المجتمعات. ماذا نقول في وضع يترك شريحة المجتمع بلا حماية قانونية، وصورة التعليم الممتهن، لأن وضعاً كهذا هو استهلاك لأزمنة تحتضر في الظلام والمجهول. إنها قصة تمسنا جميعاً كيمنيين، وتمس مستقبل أجيالنا، نتيجة امتهان التعليم، وامتهان حياة إنسان، ضمن أعراف لا ترحم. وحتى لا نخدع أنفسنا كيمنيين، تلك هي القيم السائدة، وعالم متوحش.

المصدر | المشاهد