عفاف التي خسرت قدماً وعالماً

1٬152
تعز: جمال حسن

قبل أكثر من عام خرجت عفاف محمد أحمد مقبل، وابنة عمها لجلب الماء من الخزان المجاور لبيتهم، لم تتخيل أبدًا أنها ستسير للمرة الأخيرة بقدمها اليسرى، كان أمامها فرصة لتنقذ نفسها، لولا إنها أرادت إنقاذ ابنة عمها التي انفجر بها لغم زرعه الحوثيون.

لطالما رفض أهالي قرية تبَّة الصالحية في الشقب، إحدى عُزل جبل صبر بمحافظة تعز(وسط اليمن) النزوح من بيوتهم. عدا أن الحوثيين زرعوا الألغام جوار البيوت وفي الحقول، لتنعدم الحياة هناك. وحين نزحت عفاف وابنة عمها دليلة كانتا محمولتان بعد أن جردت الألغام قدميهما.

وفي القرية السفلى التي نزحت إليها عفاف تحددت دروبًا آمنة، إذ تتخفى أجزاء القرية عن مرمى القناصين، وتتوارى الممرات الضيقة بين البيوت.

توقف قائد الدراجة النارية -الذي كان يقلني- في الطريق الوعر، فقبل أمتار من انحدارها يتشكل حدًا بين الحياة والموت فرضته الحرب، هناك يلتصق سلاح أعلى الطابق الثاني لبيت، عند نقطة تتوقف فيها حركة السير على المواصلة، ويبدأ القناصة الحوثيون بالقتل.

عفاف ترقد في المستشفى جراء انفجار لغم بالشقب في صبر

ظهرت عفاف بخطواتها شبه العرجاء معتمدة على قدم اصطناعية؛ لعلها بتلك الصورة وجدت مواساة لقدرها التراجيدي، “لقد انتهت حياتي” قالت بإبتسامة حزينة وأثر الشظايا على وجهها كالنمش، غير أنها استدركت مشيرة إلى القدم الاصطناعية، فبعد إحساس فظيع بالعجز، صار بمقدورها المشي والخروج.

تتشكل حياة عفاف من سلسلة متتابعة من المآسي: في عام 2015 سافر زوجها من أجل العمل خارج البلاد، ومنذ ذلك الوقت لم يسمعوا عنه شيئاً، “ربما مات” قالت بألم.

بعدها خسرت أبوها في 2016 إذ قتله قناص حوثي، لم تمر ثلاثة أشهر ليصيب قناص آخر عمها إصابة بالغة، ومنذ يونيو 2017 تعيش عفاف كواحدة من ضحايا الحرب.

استهدف الحوثيون السكان الأبرياء بوضعهم الألغام في الأماكن المرتبطة بحياتهم اليومية، عندما خرجت عفاف لم تفكر أن الخطر تحت قدميها، كانت وابنة عمها قلقتان من ظهور مسلحين، لثلاثة ايام حاصرتهم الاشتباكات في منازلهم دون أكل أو ماء، وما إن توقفت ذهبتا للتزود بالماء.
كان من الحيطة أن تسبق إحداهما الأخرى، فجأة دوى صوت انفجار قوي، وشاهدت عفاف ابنة عمها محاطة بسحابة غبار داكنة.

يشكل غياب الوعي بخطورة الألغام أحد أسباب ارتفاع عدد الضحايا، وهو الأمر الذي جعل عفاف ضحية أخرى، سارعت لانقاذ ابنة عمها، كما قالت، فوجدت نفسها تندفع عالياً من قوة الانفجار لترتطم بالأرض شبه محطمة.

حدث كل شيء سريعاً مثل ومضة، لكن عفاف ستحمله معها بقية حياتها. وكان من الممكن انضمام ضحية ثالثة، لولا أنهما حذرتا قريبتهما بالتوقف؛ أخبرتاها ببساطة: “كفاية نحن”.

  • استهدف الحوثيون السكان الأبرياء بوضع الألغام في الأماكن المرتبطة بحياتهم
  • الأهالي: تم نزع 18 لغماً في الشقب ومايزال هناك الكثير من الألغام تهدد حياتنا
  • يزرع الحوثيون الألغام دون خرائط ما يجعل عملية ازالتها أكثر تعقيداً في المستقبل

تعتبر زراعة الألغام الأرضية من الجرائم الإنسانية طويلة الأمد، اذ تشكل تهديدا مباشراً لحياة الأبرياء وتتسبب بعاهات مستديمة، كما يمتد تهديدها أجيالاً إلى ما بعد الحرب، ومنذ بداية الحرب أودت الألغام، التي زرعها الحوثيون بحياة وإصابة العشرات من اليمنيين.

لم تكن عفاف وقريبتها الضحيتين الوحيدتين لانفجار الألغام، غير أن الجزء الأكثر قسوة عندما أصيبتا – كما روت عفاف- إنه بعد الانفجارين تعالت أصوات المسلحين الحوثيين المتمركزين قرب القرية بالضحك كما لو أنهم مستمتعين بمأساتهما.

“كانوا يضحكون علينا”، أضافت بمرارة.
يقول الأهالي أنه تم نزع 18 لغماً في الشقب، ومايزال هناك الكثير من الألغام تهدد حياة المواطنين.
بدا المشهد مروعًا: فتاتان لا علاقة لهما بالحرب على شفا الموت أو الحياة بعاهة مستديمة، اول ما فكرت به عفاف إنها ستموت، أصبحت كومة ألم وتدريجيًا ستتعرف إلى ما فقدته، كانت نصفين مختلفين وإضافةً إلى ساقها المقطوعة ستعرف أن ضرعها الأيمن نزعته شظية، وبعد أيام انتبهت إلى سقوط عدد من ضروس فكها الأيسر.

قال عبدالرزاق – أخو عفاف – إنهم قاموا بتهريب المصابتين لتفادي أسلحة القناصة، استغرقوا أكثر من ساعة لنقلهما من مكان الحادثة إلى الطريق، حيث كانت سيارة تنتظر لإسعافهما إلى إحدى مستشفيات تعز، فيما يتطلب الوصول إلى هناك أقل من عشر دقائق في الأيام العادية.

ظلت عفاف محتفظة بوعيها حتى دخلت المستشفى لتنهار في غيبوبة تحتمل النجاة من الموت، لكنها ستثور فجأة عندما قرر الأطباء بتر ذراعها اليسرى المتفسخ لحمه: “اقتلوني ولا تقطعوا ذراعي” صرخت بهم.

بالنسبة لعفاف، الموت أفضل من العيش دون قدم وذراع، فأنقذت ذراعها، لكن الأطباء يبترون الأجزاء بدم بارد، ربما لأنها تساوي مبلغاً من المال في تلك المستشفيات.

أصبحت الألغام الأرضية من الأسلحة المحرمة دولياً منذ معاهدة اوتاوا لحظر الألغام الأرضية، والمعاهدة التي لا تشمل الألغام المضادة للمركبات والدبابات او الأجهزة المتفجرة عن بعد، دخلت حيز التنفيذ في مارس 1999.

ويستخدم الحوثيون طرق عشوائية ، دون استخدام خرائط، في زراعة الألغام ما يجعل عملية ازالتها أكثر تعقيداً في المستقبل.

“ما الذي فعلناه بهم؟” تساءلت عفاف، كان المسلحين الحوثيين يطلبون منهم مغادرة بيوتهم، وأضافت: “إذا تركنا بيوتنا ماذا سنأكل؟”، وفي الأخير أجبرتهم الحرب على النزوح.