دردشة مع رئيس حكومة النفايات

651
صنعاء: خاص

في اليوم العالمي لعيد العمال، انتظر محرر بوابة الصحافة الإنسانية “أنسُم” ساعات ليجده عائداً من جولته لجمع النفايات، لكنه أنحنى -أولًا- ليربت بيده على ظهر كلب أسود كان رفقته.
التفت مبتسمًا: “هل وجدت رئيس حكومة في العالم يعيش على الرصيف غير أن مؤسس ورئيس حكومة النفايات عبده أحمد زيد ثابت المقرمي والذي يقف أمامك الآن دون حرس وزيادة على ذلك يجمع النفايات ليحمي البيئة من مخاطر المخلفات..” قال المقرمي باعتزاز.

في دردشة لـ أنسم على الرصيف بالعاصمة صنعاء مع رئيس حكومة النفايات عبده أحمد زيد ثابت المقرمي، وهو أحد أقدم وأهم موظفي وكوادر الصحة النفسية بديوان عام وزارة الصحة العامة والسكان بالعاصمة صنعاء، قال: ” اخترت الفاقة مع الاحتفاظ بكرامتي وإنسانيتي التي تنشد السلام الكامل للوطن والمواطن، وفضلت العيش على رصيف أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء، متخذًا مساحة مربعة تقارب المترين في مترين سكنًا أعيش فيه دون أي حاجز أو ساتر يخفيني عن المارة والذين أحياناً ما يتعثرون بي في غفلة منهم وأبادرهم بالاعتذار نيابة عنهم”.

عبده المقرمي مع المحرر

حكومة النفايات
في غمرة احتفال عمال العالم بعيدهم العالمي الذي صادف الأول من مايو 2019 الماضي كان المقرمي يجوب شوارع العاصمة بحثاً عن مخلفات البلاستيك والكراتين وعلب المشروبات الغازية ليعيش من عوائدها جراء توقف راتبه الحكومي منذ ثلاثة أعوام، فهو يؤمن بأن حكومة النفايات ستكون إحدى آليات الوقت الراهن للتخفيف من مخاطر المخلفات على البيئة والعيش بكرامة.

 

قبل ثلاثة أعوام دشن المقرمي مشروعه المغاير كما يؤكد، مشروع جمع مخلفات النفايات وهو مشروع له أبعاد كثيرة الأول: متطوع جوال لحماية البيئة من مخلفات النفايات، والثاني: مصدر رزق يعيش منه بكرامة، والثالث: ليكون منطلق لتأسيس حكومة النفايات.

صحفي مساند
بعزيمة قوية يمضي المقرمي قُدماً في مشروعه والذي بدأه من الرصيف دون أية إمكانات غير جهده الشخصي ليطور من آلية عمله، وبمساعدة من الصحفي المتخصص في مجال الصحافة الإنسانية فيصل عبدالحميد وهو الذي تحول أيضًا من الصحافة لبيع الثلج، تمكن المقرمي من شراء عربة (جاري) يجرها خلفه ليستعين بها على حمل ما يجمعه من المخلفات القابلة للبيع والتدوير، ثم استأجر محل كمخزن وعربة أخرى وصار يعمل وفق آلية عمل منظمة..

العمل في جمع النفايات أرشدني إلى ضرورة أن يكون لدينا حكومة تتولى تنظيم الثروة المهدرة

يتكئ المقرمي على عربة نقل المخلفات الخاصة به ويمسح على لحيته الكثة ويقول: “إن المخلفات ثروة مهدرة وأنا أسعى بدعم من زملاء كانوا موظفين حكوميين فيهم صحفيين إلى تحويل هذه الثروة إلى مورد اقتصادي منظم يسهم في احتواء عشرات الآلاف من الأيدي العاملة”..

ويضيف لـ ” أنسُم”: “العمل في هذا المجال أرشدني إلى ضرورة أن يكون لدينا حكومة خاصة اسمها حكومة النفايات تتولى تنظيم ثروة النفايات المهدرة، وقد تم إعلان هذه الحكومة رسميا في يوليو 2018”.

التفكير بمسؤولية
يقول المقرمي: “على الأمم أن تفكر بجدية بمشروعنا حكومة النفايات فهو ليس مجرد فكاهة أو مشروع ساخر، بل مشروع كبير وطموح يحتاجه اليمن، اليوم والغد”..

منذ سنوات واليمن يغرق في النفايات ولكن سنوات الحرب فاقمت من هذه المشكلة وأصبحت عصية عن الحل، لهذا، يقول المقرمي: “على الهيئات والمؤسسات المحلية و الدولية التي تعمل في مجال حماية البيئة أن تفكر بجدية بمشروعنا هذا والذي نطمح لأن يكون مشروع فاعل وليس مشروعًا للاستهلاك الإعلامي، كحكومتيِّ الشباب والأطفال”.

ويردف ساخرًا: “أنهما حكومتين (الأطفال والشباب) لا هدف منها سوى تدريب أبناء المسؤولين والنافذين لتولي المناصب العليا في إطار توارث وظائف الدولة”.
وبايمانه بحكومته وما يقوم به يؤكد المقرمي: “أن حكومة النفايات تؤمن من منطلق جوهرها بأنها حكومة ظل رديفة للهيئات التي تعمل على إرشاد وإسناد حكومات البلدان في رسم وتنفيذ السياسات والإصلاحات”.

يبتسم ويغادر
في تنقلاته بين شوارع العاصمة صنعاء بحثاً عن مخلفات البلاستيك وعلب المشروبات الغازية، إن صادف وجود علبة مشروب غازي أو قنينة بلاستيك في مكان مزدحم الأشخاص يقترب منها ويلتقطها بروح مرحة وأسلوب شيق ويردد بكل أنفة: “لا تستغربوا هذا ما تبقى من الاقتصاد اليمني”.
وخلال حديثنا على الرصيف القريب من دكانه الذي يخزن فيه ماجمعه من نفايات، نهض المقرمي سريعًا يلتقط قارورة ماء فارغة القى بها احد المارة للتو، فالتفت الشخص معتذرا عن ما قام به وهم بإدخال يده في جيبه لمنح رئيس حكومة النفايات مساعدة مالية كما يحاول كثيرون ينظرون لجامع النفايات كمحتاج، ولكن بحزم كبير ويرفض المقرمي قبولها قائلا: “أشكرك فأنا أكسب ما يكفيني لأعيش بكرامة وهناك أخرين حاجتهم كبيرة فحاول البحث عنهم ومساعدتهم ويبتسم ويغادر المكان”..