الليشمانيا.. آكلة الابتسامة

251
ريمة: فايز الضبيبي - تونس: مهيب زوى

في الـ 20 من أبريل الماضي كان الأطفال في قرية المصبحي محافظة ريمة (200 كم غرب العاصمة صنعاء) يتجهون إلى مدرسة خالد بن الوليد التي تبعد 500مترًا عن القرية لاجتياز امتحانات الصف الرابع أساسي، إلا أن كرسي زميلهم عبد الرحمن كان فارغًا في القاعة.

عندما بدأ العام الدراسي الماضي كان عبد الرحمن (10سنوات) يحزم حقيبته باكرًا ويتناول وجبة الإفطار ليغادر منزله مسرعًا ليقف في طابور الصباح رفقة اصدقائه، ولكن ذلك لم يستمر طويلًا، فقد لسعته ذبابة الرمل في أنفه لتصيبه باللشمانيا، وبدأ عبد الرحمن بالتخلف عن الطابور الصباحي الذي كان يحرص على الوقوف في مقدمته يحيي العلم الوطني مرددًا” تحيا الجمهورية اليمنية”.

يقول حسن جسار والد عبد الرحمن: “عندما أدركنا أن طفلنا مصاب باللشمانيا-الوبلة كما يسمونها في ريمة- قمنا بأرساله إلى صنعاء للعلاج، وقضى معظم العام  الدراسي وهو يتنقل بين صنعاء و القرية”.

وأضاف:” كان كلما عاد من صنعاء بعد تلقيه جرعات العلاج (بينتوستام)، يصحو في الصباح كعادته ليذهب إلى المدرسة، لكنه يعود حزينًا بسبب أن أصدقاءه لم يعودوا يتعاملون معه كما في السابق وأصبحوا يضحكون على اصابته في أنفه، التي لم تُشفَ بعد”.

عبد الرحمن مخفيا اثر الوبلة ( الليشمانيا)

وصمة

تزداد حالة عبد الرحمن سوءًا كلما عاد للقرية وكانت تسوء معها نفسية، ليس لأنه فقط وجد أقرانه يبتعدون عنه في المدرسة وأثناء اللعب، ولكن لأنه أيضًا لم يسلم من سخريتهم بسبب إصابته.

يقول جسار: ” كانوا زملاء عبد الرحمن يتحاشون الجلوس جواره أو يلعبون خوفًا من أن تنتقل إليهم العدوى، فاضطر إلى أن يلف وجهه بشال (وشاح) ويذهب للمدرسة مخفيًا أنفه، لكنه لم يستطع التخلص من تلك الوصمة بسبب ما يتعرض له من إحراج وسخرية زملائه الذين ينعتونه أحيانًا بـ: الموبِّل ( نسبة إلى أثر الوبلة التي في أنفه)، ما أثر على نفسيته وأصبح كثير العزلة، ولا يغادر البيت”.

تؤكد دراسة للمركز الاقليمي لمكافحة الليشمانيا 2017، أن للشمانيا تداعيات خطيرة نفسية واجتماعية واقتصادية، فغالبًا ما تخلف تشوهات جسدية تشكل وصمة تنعكس نفسيًا على المريض -خصوصًا الأطفال- وتؤثر على إمكانية انخراطه في الأنشطة المجتمعية والثقافية، وارتبطت هذه الوصمة باسم المرض في كثير من المناطق اليمنية، حيث تعرف بأسماء مرادفة للوصمة كـ: البدأة، الأثرة و العوفيه.

بالأعشاب

ظل عبد الرحمن متنقلًا  بين محافظتي صنعاء وريمة للعلاج ليتخلص من تلك الوبلة (الليشمانيا) التي لم تأكل أنفه فقط، بل أكلت معها ابتسامته، و لم يتمكن من أداء اختبارات العام الدراسي التي بدأت في 20 أبريل الماضي، ورغم تلك الرحلات العلاجية المكلفة في مستشفيات صنعاء إلا أنها لم تنجح في تخفيف آلامه وشعوره النفسي بالوصمة، وهو ما اضطر جسار أن يلجأ للطب الشعبي والتداوي بالأعشاب، كعادة أبناء القرى الذين يلجأون للطب البديل بسبب التكلفة الباهظة للعلاجات الخاصة بهذا الوباء في المستشفيات والتي غالبًا ماتكون في مدن اخرى، وتتعدى التكاليف العلاجية الـ 300 ألف ريال ( تعادل 600دولار) ناهيك عن تكاليف التنقل والإقامة والفحوصات الدورية والتكميلية و جلسات الكي والتقشير وفترة العلاج الطويلة وما تسببه من آلام نفسية.

يقف عبد الرحمن كثيرًا أمام المرآه يتحسس أنفه وينتظر عودته للمدرسة لكنه يخاف من اصابته بالوبلة مجددًا

يقول جسار: “لم تكن تهمني التكاليف الباهظة ولكنني عندما كنت أرى الحزن في وجه عبد الرحمن ومعاناته كان يزداد إحساسي بالعجز وأشعر إن العلاج لم يُجدِ نفعًا فكنت مستعدًا للجوء إلى أي وسيلة كانت”.

الآن، وبعد عناء أكثر من سبعة أشهر وحرمانه عامًا دراسيًا، بدأ عبد الرحمن يتماثل للشفاء من الليشمانيا ( الوبلة)، إلا أنها خلفت  أثرًا واضحًا محفورًا في نفسه قبل أنفه، و لا يزال متخوفًا من معاودة انتشارها مجددًا، لكنه لايفارق حقيبته المدرسية وكتبه التي اصبحت ملاذه الوحيد في عزلته، وينتظر عامه القادم ليعود لمقعده الدراسي ضمن زملائه في المدرسة.

” في كل لحظة يقف ولدي أمام المرآة ينظر لوجهه و يتحسس أنفه ويشعر بالحزن عندما يرى ذلك الأثر المحفور في أنفه، لقد اختفت الابتسامة من وجهه.. وكم أشعر بالحسرة لأجله، فهو يحب المدرسة كثيرا وينتظر العودة لها”، قال أبو عبد الرحمن.

انتشار

ليس عبد الرحمن هو الطفل الوحيد الذي أصيب بهذا الوباء في ريمة فقد تم حصر ما يقارب من خمسين حالة من أبناء قرية المصبحي أصيبوا بهذا المرض خلال الأربع سنوات الماضية رجال ونساء ونصفهم من الأطفال وكانت أغلب إصاباتهم في الوجه، فيما تؤكد مسؤولة الترصد الوبائي بمكتب الصحة بمحافظة ريمة ومديرة المستشفى المركزي الوحيد بالمحافظة الدكتورة ليزا عوض في تصريحات صحفية أنه تم رصد مايقارب من 2000 حالة إصابة بوباء اللشمانيا في محافظة ريمة خلال الأربع السنوات الماضية.

وأضافت:  أن العدد الفعلي للحالات ربما أكثر من ذلك ولكن لعدم تبليغ الكثير من المصابين بالمرض عن حالاتهم وعدم زيارتهم مكتب الصحة والمستشفى المركزي بالمحافظة للعلاج والاكتفاء بالعلاج بالأعشاب أو بالعلاج في مستشفيات خارج المحافظة، لم نتمكن من رصدها.

” نادرًا ما تتوفر لدينا الجرع والمحاليل الطبية الخاصة بالمرض من قبل وزارة الصحة ولكن بكميات قليلة لا تكفي لعلاج الحالات التي تصل بشكل مستمر إلى المستشفى” قالت ليزا.

دورة حياة الللشمانيا، تصميم انفواجرافيك: أنسم

أسباب

يقول الدكتور وليد الضبيبي استشاري الأشعة التشخيصية لـ أنسم، أن أسباب انتشار هذا الوباء في الكثير من مناطق وقرى محافظة ريمة هو تواجد وتكاثر ذبابة الرمل (المصدر الرئيسي لليشمانيا) في عدد من المناطق الريفية بالمحافظة، خاصة وأن  المحافظة ما تزال ريفية ونائية وأغلب مناطقها زراعية وتربى فيها الحيوانات المختلفة، إضافة إلى عدم الإهتمام بالنظافة العامة ودفن القمامة أو التخلص منها في أماكن بعيدة عن السكان وعدم وجود شبكة صرف صحي جيدة، إذ يمثل ذلك من الأسباب الرئيسية في انتشار ذبابة الرمل الناقلة للوباء وتكاثرها وتوسع انتشاره.

ويضيف: إن الجهل المستشري بين أبناء المجتمع وقلة الوعي بالثقافة الصحية لتجنب العدوى له تأثير كبير في تكاثر الوباء وانتشاره في الكثير من مناطق المحافظة”.