الأغاني والوباء.. حتى لا يستأثر الصمت بالعالم

51
جمال حسن

لعلّه من السابق لأوانه الحديث عن الطريقة التي ستعالج فيها الفنون جائحة كورونا؛ خصوصاً أن المرض لم يكن موضوعاً جذاباً بالنسبة للأغاني، مقارنة بالأعمال السردية والسينمائية.

الأرجح أن علاقة المرض بالموسيقى أقل شعرية. ومنذ أن أصبح كورونا خطراً وبائياً يهدد العالم، صدرت عشرات الأغاني تتحدث عنه، من دون أن تحظى أي منها بشعبية لافتة. هذا لا يعني أن المرض كجائحة لم يترك أثراً على الموسيقى، كما حدث مع الطاعون الأسود الذي شهدته أوروبا في القرن الرابع عشر. مع هذا، هناك تاريخ طويل تطرقت فيه الموسيقى إلى موضوع المرض، أو كان المرض مصدر إلهام لها.
يثير كورونا هشاشة عالمنا الميكانيكي، حتى بالمقارنة مع جوائح أكثر فتكاً، مثل الطاعون الأسود والإنفلونزا الإسبانية. تتوقف المحركات ويختبئ البشر في المنازل، وتُحال المدن الضخمة إلى فراغات. ثمة جانب شعري في ذلك الخوف يقتضي العودة إلى التعقيد اللحني. وإلى جانب الأثر الاقتصادي والسياسي، يمكن أن تتشكل توجهات موسيقية جديدة بتأثير كورونا. والسؤال ما إن كانت الموسيقى ستستعيد عصر الترنيمات ذات البُعد الصوفي، والتوجهات الأكثر شعبية بصيغ راديكالية بسيطة، ربما خلافاً للأثر الذي تركه الطاعون الأسود على الموسيقى في أواخر القرون الوسطى؛ إذ دفعها نحو الأشكال الأكثر تعقيداً وحتى الأكثر علمانية.
لم تكن الجائحة موضوعاً تراجيدياً في الدراما الموسيقية، أو على الأقل في الأعمال المعروفة. لكن أول أغنية مرتبطة بالجائحة تعود إلى القرون الوسطى، عندما عصف الطاعون الأسود في أوروبا في القرن الرابع عشر. مع هذا، لم تحظ الحادثة بأي إشارة، لكن طيلة الشتاء الذي مكثه الموسيقي الفرنسي غيوم دي ماشو مختبئاً من الوباء، استلهم فكرة القصيدة التي أصبحت أغنية بعنوان Tres douce dame que j’aour.


تتماشى الأغنية مع التوجهات العلمانية، وماشو أحد أهم ممثلي الآرس نوفا، أو التوجه الموسيقي الجديد في القرن الرابع عشر. تُمثل الأغنية نموذجاً للتوجهات الموسيقية الجديدة في أوروبا إثر انتشار الطاعون الأسود، فهي من قالب الـ Ballad الذي ازدهر في فرنسا. ثمة تعقيد ونفحة كآبة وسوداوية استبقت تجربة الذعر من الوباء. فالسيدة التي استلهم حبها كانت تضاهي فكرة الاختباء من الموت الأسود.
لعل جائحة كورونا تثير قصص حب مُستلهمة على غرار ماشو، بينما يعتزل الناس ضمن أكبر حجر صحي عرفه العالم خوفاً من انتقال المرض، ويتشكل فراغ مائي يغوي للإبحار في ملاحقة حوت نادر، أو أنها المدن التي استأثر بها الفراغ، الاختباء من الصوت، وماذا لو كان أيضاً حدثاً ينذر بنوائب أكثر قسوة.
غلب على أغاني المرض طابع تعليمي، وإشارات شديدة المباشرة، وألحان ساذجة بعض الشيء. وازدهرت حقبة الأغاني عن المرض في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، لكنها لم تكن ذات جودة إذا ما استثنينا أغنية بلايند ويلي جونسون “المسيح قادم قريباً” Jesus is coming soon وهي من نوع البلوز، بلحن محتدم ومؤثر، وحدية تحاكي صيغة التنبيه للدلالة على الموضوع. تتطرق الأغنية إلى الإنفلونزا الإسبانية. عالجت الموضوع ببساطة جذابة، وفي النهاية تشير إلى النبلاء الذين يخبرون الناس بإغلاق المدارس والكنائس أيضاً، حتى تنتهي أحداث الموت. لكنه يقول أيضاً إنه تحذير لساعة الدينونة، أو نهاية العالم التي يرمز لها بقدوم المسيح.


في السنوات السابقة، أصبح موضوع المرض نادراً في الغناء. ففي أغنية I got Aids لمغني الهيب هوب Lil B، يصبح جانباً ذاتياً، مستخدماً كلمات بذيئة للتحذير من المرض. تطرق جيمي رودريغيز عن معاناته مع السُل بصورة ساخرة: “ستأخذ دواءك وسأبحث عن مشروب جيد لي”. لكنه سيموت في الخامسة والثلاثين بسبب السُل.


لم تترك أغاني المرض نوعاً موسيقياً، وإن هيمن عليه صوت البلوز. لكن الأغاني الأميركية قديماً تناولت أكثر الأمراض شيوعاً في ذلك الزمن. وغنت ممفيس ميني من البلوز أيضا عن التهاب السحايا واصفة أعراضه: رغوة في الفم ودوار ورأس يسقط عند ركبتيها. وبلحن حاد يلتصق فيه صوت الغيتار مع هواء آلة النفخ الصغيرة الميوزيكانا.
كما جاءت أغنية  “إنفلونزا” عام 1939 من نوع الفولك، تصف أعراض الإصابة وتشير إلى قتلها أميركيين في مناطق مختلفة، من دون أن تفرق بين الغني والفقير. ذلك ما يحدث مع وباء كورونا.
تعود أغنية قديمة عن الطفيليات لعام 1915؛ لحن شديد السذاجة، لكن في حالة بعض الأمراض التي انقرضت مثل “ساق جيك”، وهو نوع من الشلل يصيب الساق، كانت الأغاني ضمن المراجع المهمة لمعرفة هذا المرض الذي تسبب فيه مشروب من خلاصة الزنجبيل اتخذه البعض كمشروب مسكر. حتى الروك أصبحت ثيمة لأغنية Touch Me I’m Sick التي غنتها فرقة Mudhoney الأميركية. ربما لم تظهر أغاني المرض بتلك الكثافة في العالم العربي، ولم تعد كذلك حاضرة في أميركا لولا أن كورونا جعل الأمر مسألة قابلة للتطرق. لكنه أيضاً، في العالم العربي، يظهر بنسخة سيئة التقليد للأغنية الرحبانية في لبنان تتحدث عن حبيبها في “الحجر الصحي”.


في التاريخ القريب، تسببت الكوليرا بموت عشرة آلاف من سكان قرية القرين في مصر عام 1947. ووصفت المأساة الصحف آنذاك، عدا أنه لم يكن موضوعاً مستلهماً في أغنية مصرية أو عربية. كانت “الكوليرا” عنوان واحدة من القصائد العربية المبكرة في الشعر الحر، لكن الحادثة لم يتشكل حولها أي إلهام موسيقي أو غنائي، ذلك أنه يظل موضوعاً غير شعري بالنسبة للموسيقى في ذلك الوقت.

تنتشر أغاني الأوبئة في الملاحم الشعبية أكثر من حضورها في الغناء الذي ترعاه صناعة الموسيقى الرسمية، خصوصاً في العالم العربي. في اليمن، على سبيل المثال، تشير أغنية “البالة” التي غناها علي السمة إلى الطاعون: “أيام ما قالوا موسم الطاعون قالوا جنا، وماتوا أهلي ومن حظ النكد عشت أنا”.
شهدت اليمن خلال القرن العشرين عدداً من الأوبئة، مثل الطاعون والكوليرا. وخلال سنوات الحرب التي يعاني منها اليمن، فتكت الكوليرا بثلاثة آلاف يمني.
في الجزائر، مثلاً، ظهرت أغنية “ماما كوليرا”، لكن المرض أيضاً لم يكن موضوعاً شعرياً، بل أخذ طابعاً ساخراً أو تعليمياً. وفي حالات قليلة تكون أشبه بتحذير من نهاية العالم، أو استعارة مشهداً قاتماً وشديد المأساوية. وقلما كانت هناك أغنية معروفة على طريقة ماشو تستعين بالإلهام غير المباشر.

المصدر | العربي الجديد