أم يمنية: ابني كان مهندسًا واليوم مريض نفسي

619
صنعاء: نبيل الشرعبي

كانت تحمل جسدها بتثاقل وكانت خطاها وئيدة، وقفت تجول بنظرها في المكان وكأنها تبحث عن شيء، كان الوقت قبيل صلاة المغرب من اليوم الـ5 من شهر مارس الماضي، يبدو عليها من الكثير من البؤس رغم محاولة إخفائه، قالت بصوت خافت: “السلام عليكم.. كيفكم يا أولادي؟”، “هل وجدتم ولدي؟ ، وأردفت: والله يا عيالي ما عرفت طعم الراحة من يوم ابني خالد دخل في هذا المرض”.

حينها أدركتُ أن ذاك الشاب الذي كثيرًا ما يقضي وقته صامتًا جوارنا هو ابنها، كانت أم مكلومة تبحث عن ولدها الشاب الذي يعاني من أزمة نفسية بفعل فقدانه العمل والفاقة جراء الحرب التي يتعاظم طاعونها أكثر فأكثر.

كان مهندسًا
رفعت يديها الى السماء:” الله ينتقم ممن سبب لنا هذه الحرب، ابني كان مهندس واليوم مريض نفسي بسبب الحرب.. ويعلم الله كم شاب مثله سببت لهم الحرب حالات نفسية”.
أردتُ تطمينها: ” لا تقلقي، أمس كان يجلس معنا  حتى ظهر اليوم و قال لنا بأنه سيذهب لزيارتك”، لكنها قاطعتني بألم ويديها على رأسها: “لكنه يا ابني ما روح، هو مريض ويتكلم بحاجة وينسى ماذا قال”، وغادرت الأم الحزينة المكان وهي قلقة على حال ابنها خالد الذي عاظم من تدهور صحتها..

الصورة تعبيرية، المصدر: موقع الجزيرة..

فقدان العمل
أواخر العام 2015، كان خالد عبدالوهاب العريقي (خالد النصاري) -كما يحلو له التعريف بنفسه- قد فقد عمله في شركة المقاولات التي يعمل فيها منذ أعوام كمهندس ماسح في مشروعات الطرق التي تنفذها تلك الشركة، وجراء توقف أعمال شق وإصلاح الطرقات، توقف نشاط الشركة وقامت بتسريح موظفيها دون حقوق وكان خالد أحدهم.
أزمة نفسية
المهندس خالد لم يتحمل الصدمة وتفاجأ وقد صار بلا عمل يكسب منه ما يستر به نفسه وزيادة على ذلك، استحالة وجود بديل في ظل توقف العمل في مجال تخصصه الذي اختاره في دراسته الجامعية وكان ذلك حلم والده الذي توفي قبل أن يلتحق خالد بالجامعة لدراسة الهندسة، وبسبب فقدان العمل وضغوط متطلبات الحياة أيضًا والعجز عن توفير العلاج لوالدته المصابة بداء السكري والقلب أُصيب خالد بتأزم نفسي شديد.

طرد
عنما عجز خالد عن دفع إيجارات السكن الذي كان يقطن فيه مع والدته وتراكمت عليه الإيجارات تم طرده من السكن مع والدته، ليجد نفسه ووالدته بالشارع رفقة حقيبته التي ليس فيها سوى ملابسه الشخصية وحقيبة ثانية فيها ملابس والدته، فيما كل الأثاث الذي كان قد وفره استعدادا لحياة الزوجية تمت مصادرته من مالك المنزل مقابل الإيجارات المتراكمة.

على الرصيف
بقي خالد مع والدته على رصيف أحد شوارع العاصمة صنعاء عدة أيام، حتى جاء فاعل خير ووفر لهم سكن في دكان وإن كان بلا حمام ،لكن، ” كثر الله خيره” كما يقول خالد دوًما، فقد حفظ ماء الوجه لهما، وطوال ما يقارب العام لم يغطي أرضية الدكان الذي يسكنه خالد وأمه الحزينة غير كراتين كانت هي الفرش والأثاث.
ضاق خالد بالوضع وساءت حالته النفسية كثيرًا وغادر الدكان ليهيم بالشوراع وقبل أشهر تعرض للضرب والمضايقات وفقدته والدته وظلت تبحث عنه حتى وجدته وكانت حالته قد ساءت أكثر وأعادته ليبقى بقربها.
تقول أم خالد أن شخصًا ميسور الحال عرف بحالة ابنها وقام بعرضه على طبيب نفساني وتكفل بشراء العلاج واستأجر مكانًا أخر لهما وقدم لهم ما أمكن من أثاث “جزاه الله خير”، دعت له.

تحسنت حالة خالد نسبيًا ولكن عند انتهاء العلاج تعود للتأزم من جديد.
هذا ليس حال والدة خالد بل هناك مئات آلاف الأمهات اليمنييات يعشن نفس الحال ويبحثن على أولادهن الذي سرقت الحرب سكينتهم.

5 ملايين حالة
ذكر تقرير صادر عن وزارة الصحة العامة والسكان بصنعاء أواخر العام الماضي 2018، بأن ما يقارب حوالي 5 ملايين شخص يمني أُصيبوا بأزمات نفسية متفاوتة وصاروا يحتاجون لرعاية صحية لأن حالتهم في تطور، وذلك جراء الحرب التي تسببت في فقدان ملايين اليمنيين لمصادر رزقهم ودخولهم دائرة عوز كبيرة صاروا معها غير قادرين على توفير حاجياتهم اليومية.
وتجمع منظمات العون الإنساني التي تعمل باليمن على أن الوضع الإنساني باليمن سيئ للغاية وأن حوالي 24 مليون شخص يحتاجون للغذاء.

ولا تتطرق تلك المنظمات إلى الآثار التي أفرزتها الحرب وفقدان مصادر الدخل وتعذر إيجاد مصادر آخرى ومعها توسع دائرة العوز والفقر، مما أدخل كثير في أزمات نفسية كلفتها كبيرة، في ظل تشبث طرفي الصراع بضرورة بقاء واستمرار الحرب وإعاقة كل بوادر إحلال السلام.